الجمعة 18 أغسطس 2017


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 27 يناير 2011 الساعة 46 : 20


متى نبني مجتمع المعرفة؟


متى نبني مجتمع المعرفة؟

كتب: مولاي محمد اسماعيلي

في الغرب يعتبر صدور كتاب لكاتب مشهور حدثا لا يقل أهمية عن الأحداث السياسية التي تشهدها البلاد، الكل يتحدث عن كتاب جديد أو مذكرات لسياسي أو فنان أو ممثل ستصدر قريبا أو صدرت، فتتنافس الصحف والمجلات والقنوات الفضائية في نشر مقاطع أو فقرات من الكتاب الجديد، وتعلن الفضائيات والقنوات الوطنية عن برامج جديدة مخصصة فقط لمناقشة ما ورد في الإصدار الجديد، هذه هي عقيدة مجتمعات المعرفة في الغرب، فرغم الثورة التكنولوجية في مجالات التواصل والانترنت، فقد حافظت شعوب هذه الدول على عاداتها في القراءة، ومتابعة كل جديد في عالم التأليف والإصدارات، فنظرة بسيطة على مبيعات الكتب في ألمانيا مثلا تحسسك بالصدمة للأعداد الهائلة من الكتب التي تباع أسبوعيا، فقد تصل مبيعات كتاب جديد لكاتب مشهور مثلا، لأكثر من ثمانين ألف نسخة في الأسبوع الأول من ولوج الكتاب إلى الأسواق، ليصل إلى مئات الآف النسخ مع مرور بضعة أشهر على تواجده في السوق.

هذه الشعوب المحبة للمعرفة لا تقتني هذه الكتب والمجلات العلمية والدوريات المتخصصة، ولا تتابع مواقع الأنترنت الهادفة فقط من أجل التسلية، بل لكي تكتسب المعرفة، أمر مألوف في الغرب أن تجد الناس في القطارات والحافلات وغيرها من وسائل النقل وهي تأكل الكتب أكلا، وتقرأ بتمعن وانتباه قل نظيره، وهنا تبرز قيمة أخرى من القيم السامية لمجتمع المعرفة وهي قيمة الزمن، التي تعني الكثير لهؤلاء الناس، فهم يحرصون على عدم تضييع الوقت في الأمور التافهة، حتى وهم في الطريق إلى عملهم في القطار أو الحافلة، وعن تجربة فقد حاولت أن أستغل الوقت الذي يقارب الساعة والذي أقضيه في حافلة للنقل الحضري بمراكش، فتمكنت خلال شهرين من قراءة سبعة كتب، ما يعني أني أقرأ في الحافلة وحدها كتابا كل أسبوع، وهي مسألة حسنة، بل جيدة لأنها تجعل الإنسان ينمي معارفه، ويطور مادته المقروءة. 

هناك مكتبات بحجم ملعب كرة القدم، فيها من المؤلفات من كل الأصناف العلمية والأدبية والفكرية وغيرها، مكتبات لا تسمع فيها كلمة غير موجود وأنت تبحث عن كتاب أو مجلة، مكتبات تُحين موادها على مدار الساعة، وتستقبل أجدد المؤلفات والإصدارات كل يوم، أما روادها فحدث ولا حرج، أناس مهذبون للغاية، يطلبون ما يريدون بأدب بالغ، أما الذين يطالعون في المكتبة فلا تسمع لهم همسا، وكأن على رؤؤسهم الطير، الكل منغمس في أفكار وأبحاث، يستمتع بمطالعتها، وقد أخبرني أحد الأصدقاء الذين يزورون الولايات المتحدة باستمرار، أن مكتبة الكونكرس، وهي بالمناسبة أكبر مكتبة في العالم، تتوفر في رفوفها على أكثر من 17 ألف عنوان يتحدث حول اللغة الأمازيغية وأدابها وفنونها وعاداتها الشعبية، والشعوب الناطقة بها، عدد ضخم من العناوين حول لغة ربما لم يكتب أهلها والناطقون بها إلا جزءا يسيرا قد لا يصل إلى 10 في المائة مما هو موجود في مكتبة الكونكرس الأمريكي.

أما عندنا نحن في العالم الثالث-نقول الثالث مجازا، حتى لا نقول الثلاثين- فالفضيحة عندنا بجلاجل كما يقول الأشقاء في مصر، فالمؤلفات والإصدارات عندنا مصابة بمرض مزمن اسمه الإهمال وعدم الإكتراث، فلا تكاد تسمع عن إصدار جديد إلا بعد مرور أشهر، وإذا طالعت نوعيته تجدها مجموعة قصصية، أو روائية، أو ديوان شعر في بضع عشرات من الصفحات لا أحد يهتم بها، سوى القلة القليلة من النخبة والمثقفين وبعض الصحفيين الذين يقرؤون المقدمة ويكتبون عن الكتاب فقرة صغيرة في جرائدهم، هذا إذا كانت تجمعهم صداقة مع صاحب الكتاب، وإلا تناسوه في الأكشاك لتلتهمه الشمس بأنيابها التي لا ترحم، أما إذا كان الكتاب لكاتب مشهور عندنا، ومعروف بإنتاجاته العلمية الرصينة، فهو لا يغامر في عدد النسخ التي يطبعها، فهي في غالب الأحيان لا تتجاوز الثلاثة ألآف نسخة، يوزع جزء منها على الأصدقاء وبعض المؤسسات، والباقي يذهب إلى المكتبات والأكشاك لعله يجد من يقتنيه من المعجبين بالكاتب، الذين لا تجود بلاد العربان إلا بعدد قليل منهم.

أما الوسائل التكنولوجية المتطورة فلا نستعملها للأسف لننمي قدراتنا المعرفية، بل على العكس من ذلك، نوظفها في أمور لا تنفع، وقد بينت الإحصائيات مثلا أن أكثر الشعوب بحثا عن كلمة "Sex" في محرك البحث "غوغل" هم الشعوب العربية، ويا للفضيحة، شعوب مكبوتة جنسيا قد تتسمر أمام أجهزة الكومبيوتر لساعات وساعات، وهي مدة زمنية كافية لشركة سيارات مثل "تيوتا" لتنتج 500 سيارة في الساعة الواحدة عبر جميع وحداتها المنتشرة عبر العالم، فهل هناك أصعب من هذه المرارة التي نتذوقها ونحن نرى ونشاهد هذه الفوارق.

أما إعلامنا المتخلف كجميع المجالات الأخرى، فتلك قصة أخرى، إعلام يضج بالسهرات والحفلات الموسيقية اليومية، وما أن تنتهي سهرة هنا حتى تبدأ هناك، أما الشعب المسكين فقد أصيب بالتخمة الموسيقية والضغط الموسيقي، ومرض الكولسترول الموسيقي، وغيرها من الأمراض التي جعلته يبحث عن الدواء في القنوات الأجنبية، تلك القنوات التي تعطي الموسيقى حقها فتجعلها دائما موسيقى مرغوبا فيها، ولا تحولها كما عندنا إلى ضجيج منظم يعذب المشاهد كلما فكر أن يحول إلى اتجاه قنواتنا.

 قنوات مجتمع المعرفة في الغرب، تضج بالبرامج الحوارية والمباشرة التي تناقش قضايا آنية، وأحداثا سياسية وثقافية واجتماعية وتضع شعوبها في قلب الصورة، يراها صافية ويدرك ما يجب إدراكه، دون كذب أو بهتان أو تضليل.

متى إذاً سيرى مجتمع المعرفة النور عندنا، ومتى سنستفيق من سباتنا العميق، لنعمل على تطوير ذواتنا ومجتمعنا، لنركب جميعا قطار المعرفة الذي سيوصلنا إذا سلكت الطريق إلى بناء مجتمع المعرفة؟ سؤال يبقى معلقا حتى يبرز رجال يتحملون المسؤولية ويعلنون القطيعة مع ماض أسود كانت فيه المعرفة هي الغائب الأكبر.






 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
* التعليق



رحلة ممتعة في أحضان الجنوب الشرقي للمغرب

متى نبني مجتمع المعرفة؟

هل فعلا ثمن الأدوية غال بالمغرب؟

جدار الفصل عن اللاعنف

بيان: التنسيقية الوطنية لمواكبة التغيير بالملك ومع الملك والدفاع عن توابث المملكة المغربية

«ثلاث كلمات...» و«قليل من المنطق»

يوم قال الدكتور المهدي المنجرة : الحرية ترادف الصلاة في الأجر

مدينة النخيل تستضيف الأسبوع الدولي للرياضة

قراءة في الخطاب الملكي ل9 مارس 2011 : هل تصمد الارادة الملكية في التغيير امام قوة مقاومة التغيير؟

عالمنا الحزين في كتاب: " 50 حقيقة ينبغي أن تغيّر العالم"

متى نبني مجتمع المعرفة؟