السبت 19 أغسطس 2017


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 28 يناير 2011 الساعة 34 : 22


عدوى الديمقراطية ومستقبل الدولة العربية


عدوى الديمقراطية ومستقبل الدولة العربية

د. عاطف أبو سيف

شكّلت التحوّلات المتسارعة في تونس وعزل الرئيس زين العابدين بن علي والتحوّل المحتمل في نظام الحكم فرصةً للتأمّل في مستقبل الدولة العربية التي حكمتها في حقبة ما بعد الاستعمار نخب فشلت في تحقيق معادلتي ما بعد التحرر الأساسيتين: إنجاز التنمية والانتقال بالكيانات الجديدة إلى مصاف الدول المتقدمة صناعياً، وتحقيق الديمقراطية والعدالة في توزيع الثروات. على العكس من كل ذلك فإن الدول العربية زادت فقراً (باستثناء دول الخليج بسبب النفط) وتدهورت أوضاع المواطنين الاقتصادية وظلت عجلة التنمية تدور للخلف. أما في جانب الحكم فإن الأنظمة العربية تحولت إلى ديكتاتوريات تقمع الحريات وتصادر الحقوق، وفي الحالات القليلة التي كان يصار فيها إلى إعمال شكل الديمقراطية فإنها لم تكن بأكثر من إجراءات لا تعكس تحولاً عميقاً في الفهم ولا تترجم إلى تحول في الممارسة. 
والحادثة الثانية التي لا يمكن استبعادها من النقاش في هذا السياق هي انفصال جنوب السودان المتوقع بعد ظهور نتائج الاستفتاء حول ذلك إذ إن النتيجتين متلاصقتان. صحيح أن ثمة بعداً قبلياً وعرقياً في نزوع الجنوبيين إلى الانفصال عن الخرطوم لكن هذا ليس أساس هذه الرغبة. فالتوزيع غير العادل للثروات وغياب المشاركة السياسية الفاعلة وتعثر التنمية وتحول البلاد إلى خانة الفقر على الرغم من الثروات المهولة التي تتوفر لها... كل ذلك بسبب سياسات الحكم الصالح الذي يكون المواطن فيه قمة كبيرة، كل هذه وغيرها ساهمت في تعزيز هذا الشعور بالحاجة للانفصال. وكان يمكن لنجاح السودان بعد الاستقلال في تطوير اقتصاد فاعل وتنمية مستدامة ورفع مستويات الدخل ومدرنة الزراعة أن تجعل كل مواطنيها بصرف النظر عن أصولهم الإثنية يتمسكون بالدولة لا البحث عن التخلص منها. فالتجربة المعاصرة تقول إن الثراء والاقتصاد المتقدم يصلح لأن يكون أساس الوحدة والاندماج مثلما حدث في أوروبا، فبعد حروب ضارية ومدمرة فإن نشوء السوق الأوروبية المشتركة نجح في تذويب الخلافات القومية بين الدول المتناحرة في سبيل البحث عن مستقبل أفضل للأجيال. وهو منطق صحيح طالما لم تتعارض الحقوق السياسية للشعوب الباحثة عن الاندماج مثلما هو الحال عند الحديث عن إسرائيل والمنطقة العربية، فإسرائيل المتقدمة صناعياً لا يمكن أن تصبح جزءاً طبيعياً من الحالة الإقليمية لأنها فرضت على الإقليم بالقوة وبنيت على أنقاض شعب آخر. 
ما أقوله في هذا المضار هو أن غياب الديمقراطية وفشل التنمية يقودان إلى انحسار مفهوم الولاء الوطني وتراجع قيم المواطنة، فالمواطن حين لا يشعر بأنه مواطن فهو غير ملزم بالتمسك بالدولة. فأساس العقد الاجتماعي هو حماية حقوق المواطنين وتحول الدولة إلى مجتمع المواطنين وليس مجتمع المحكومين، وحين تتحول الدولة إلى أداة تسلط وسيف على رقاب مواطنيها فإنها بذلك تتحول إلى عبء يجب التخلص منه. من هنا فإن البحث الحقيقي للنخب الحاكمة كان يجب أن يكون تحقيق المواطنة ومنح الحريات ودفع المواطن للمشاركة الفاعلة في الحكم، لأن ذلك وحده يحمي الدولة من نفسها. 
ما حدث في تونس كان مفاجئاً للجميع حتى لأنصار التحول الديمقراطي، فالنظام القمعي التسلطي الذي حمى نفسه لعقود من أية معارضة سياسية جدية انهار بعد سلسلة من الاضطرابات التي بدأت بعفوية. فجميع نظريات الدمقرطة والعدوى الديمقراطية لم تنجح في خلق وصفات سحرية للحالة العربي المستعصية على الديمقراطية. فهنتغتون بشّر بالموجة الثالثة في أميركا اللاتينية وبعد ذلك جاءت الموجة الرابعة في أوروبا الشرقية وطرح منظرو التحول الديمقراطي أمثال شميتر أسئلة كبرى حول فرص نقل التجربة عربياً إلا أن الخلاصات المؤلمة التي كانت تنهي أي بحث كانت تدور حول "الخصوصية" العربية والسياق المحلي. 
والمجتمع المدني العربي الذي فتح فمه للدعم الخارجي تحول إلى مجتمع نخبة وتحول هو بدوره إلى الدولة العربية إلى مجتمع ريعي يعيش على قدرات غير ذاتية ولم يفلح في بناء علاقات جماهيرية تشكل حاضنة له إذ قرار الخروج على الشارع وهو لم يحاول أصلاً أن يفعل ذلك. والقوى الديمقراطية فضلت مراقبة الدولة وهي تتغول على المواطن ولن تفكر في سبيل الدفاع عنه. صحيح أن أنظمة الحكم كانت أشد قسوة من الاحتمال لكن محاولة مقاومة الدولة مدنياً لم تكن مطروحةً وظل النقاش حول سبل تقويض الدولة عبر استخدام العنف وهو ما أنتج حالات تصادم حادة مع الدولة أجهزتها، وبالتالي أخرج القوى المعارضة خارج المشهد. 
ما حدث في تونس كان درساً من نوع آخر. فالشاب الفقير الذي كان يبحث عن لقمة عيشه أحرق نفسه ليشعل اللهب الصادر عن جسده ثورة ضد النظام، وهو مشهد لمن يتذكر حدث في ربيع براغ العام 1968 حين أحرق طالب الفلسفة في جامعة براغ "يان بلاخ" نفسه أمام الشرطة احتجاجاً على سياسات النظام، لكن موت يان بلاخ لم يقلب النظام مثلما فعل بوعزيز التونسي. 
هل ستنتقل التجربة التونسية وتعدي دولاً أخرى. يود الحالمون أن يقولوا إنها ستفعل ويود أصحاب الفكر الديمقراطي حدوث ذلك، لكن حقيقة الأمر أنها ربما، بل لن تفعل، لأسباب عديدة. فالعدوى كما يقول الأطباء يجب أن تكون سريعة، بمعنى أنها طالما لم تحدث مباشرة عند المرض فمن الصعب لها أن تنتقل بعد خمود الفيروس. فالدولة العربية القمعية أصلاً ستنحو باتجاهين: إما أن تخفف قبضتها على المواطنين وتطلق حزمة من الإصلاحات الشكلية غير المعيقة لهيمنة النظام أو ستشدد قبضتها وتزيد من وتيرة القمع دون أن تكشف عن ذلك إعلامياً، وتبقى المراهنة الحقيقية على القوى الديمقراطية والمجتمع المدني الفاعل والأحزاب السياسية التي يجب أن تبحث عن تمثيل نفسها والتعبير عن أنصارها، وما لم يتحقق ذلك وما لم ينفض الكثيرون الغبار عن أدمغتهم فإن الأمر سيظل صدفة جميلة في مشهد قاتم.






 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
* التعليق



رحلة ممتعة في أحضان الجنوب الشرقي للمغرب

دولة الإمارات..التي أبهرتني

جغرافية الفكر

د.مصطفى تاج الدين لمغرب الغد: نحتاج إلى إعادة تفسير القرآن الكريم

باحث جزائرى يترجم القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية

المشترَك الإنساني

عدوى الديمقراطية ومستقبل الدولة العربية

الصين – العملاق الجديد القادم

القواعد العشر للتغذية الصحية

ماذا يريد المغرب من الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة

عدوى الديمقراطية ومستقبل الدولة العربية

المغرب ينظم كأس الأمم الافريقية 2015

الحكومات العربية مخيرة بين الإصلاح أو الانتفاضات.

أهم الأحداث التي شهدتها مصر في فترة حكم مبارك

مسيرة جديدة في الجزائر السبت المقبل ستطالب بإسقاط النظام

الشاعر محمد نور الدين بن خديجة لمغرب الغد: أراهن في كتابة الشعر على التحدي وعلى حريتي

الثقافة الديمقراطية

تونس: من الدولة الأمنية إلى الدولة المدنية

20 فبراير: حركة "حرية و ديمقراطية الآن" تتراجع عن التظاهر

20 فبراير: هؤلاء سيشاركون