الأحد 21 ديسمبر 2014


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 04 غشت 2012 الساعة 23 : 13


أضرحة بآسفي حولها عالم الخرافة إلى مستشفيات !


أضرحة بآسفي حولها عالم الخرافة إلى مستشفيات !

إعداد عبد الله النملي

توطئة: المشرق بلاد الأنبياء والمغرب بلاد الأولياء

ينفرد المغرب على غيره من البلدان، بكثرة ما يحتويه ترابه من أضرحة الأولياء والصلحاء، حتى أن بعض النواحي والمدن، صارت مشهورة بما يوجد بها من كبار الصلحاء، فلا تذكر إلا مقرونة بذكرهم، حتى قيل " المشرق بلاد الأنبياء والمغرب بلاد الأولياء". وتبعا لهذا الانتشار الواسع للصلحاء، فإن بول باسكون لم يفته أن يصف المغرب ببلد المائة ألف ولي.

ذوي السلطان يتهيبون الصلحاء

وتخبرنا كتب التاريخ، أن ذوي السلطان كانوا يتهيبون الصلحاء أحياءا كانوا أم أمواتا، فكانوا يتقربون إليهم بتشييد القباب على قبورهم، وتعهدها بالصيانة والترميم والكسوة، والسهر على إقامة مواسمهم ورعايتها، والعمل على توسيع مدار حرمهم، والإمتناع عن ملاحقة المستجيرين بحرمهم وإغداق الصلات بظهائر التوقير عليهم، وزيارة مقاماتهم، كما هو الحال مع السلطان الحسن الأول، الذي زار ضريح الشيخ أبي محمد صالح وضريح سيدي بوزيد سنة 1880. فقد كانت الأضرحة كما يقول اليفراني في درره (ملحقة بالكعبة في الحرمة) يقدسها الناس  ويعتبرونها أماكن حج يحرم فيها القتال.

آسفي أقدس مكان بمجموع إفريقيا

 وتعد مدينة آسفي وباديتها، من أقدس مناطق المغرب، وأكثرها ازدحاما بالصلحاء والأولياء. فهذا المؤرخ الإغريقي سيلاكس، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يشدد بعد زيارته لمنطقة عبدة على وجود حياة دينية مكثفة بها، وعلى أنها أقدس مكان بمجموع إفريقيا، وذكر أنه وجد بها معبدا عظيما، مخصصا لبوصيدون إله البحر عند اليونان القدماء. وقد تحقق لأرمان أنطونة إحصاء صلحاء عبدة، فوصفها ببلد الألف سيد، وذكر أن "أهلها يرتادون الأضرحة أكثر مما يرتادون المساجد".

أرض آسفي تنبث الصلحاء كما تنبث العشب

ويستقر أكثر صلحاء عبدة على ساحل المحيط، وقد تنبه لذلك عامة الناس بآسفي، فأشاعوا أن كل حجرة بالساحل هي لولي، وأرض آسفي تنبت الصلحاء كما تنبت العشب. فحيثما ولى المرء وجهه بآسفي إلا ويصادف أضرحة صلحاء، شيد على بعضها قبة أو أكثر، مثل سيدي عيسى بن مخلوف الذي تعلو ضريحه خمس قباب، أو أحيط بعضها بحوش في صورة حائط قصير من الحجارة المرصوصة، أو في شكل ركام من الحجارة تعرف بالكركور. كما أن بعض هذه الأضرحة وهمي، ليس لها وجود في الواقع، تفنن البسطاء من الناس بآسفي في نسج أحداث وخوارق حولها، فشدت إليها الرحال من كل صوب. فقد يكون المدفن لأشخاص حقيقيين أو وهميين، مثل ضريح سيدي بوذهب المغلق منذ سنوات، أو ضريح سيدي الوافي أو ضريح سيدي الضاوي، الذي يسجل الفقيه الكانوني في شأنهما، أنهما ضريحان وهميان لم يتبث التاريخ وجودهما. وقد يكون الموقع مجرد مزار، تتشكل قداسته من أشجار أو ينابيع أو في صخرة أو في كركور أو كهف أو في مغارة أو في بئر أو عين ماء..

ولا غرو إذا صادفنا بآسفي، صلحاء يحملون نعوتا وقد طمست أسمائهم الحقيقية، مثل سيدي قاضي حاجة الموجود ضريحه بشارع علال بن عبد الله، ودار الضمانة بحي الزاوية، وسيدي أسكاد الخير بدوار القبة بفرقة ثمرة بالبحاترة الشمالية، وسيدي مول البركات المجاور لسوق كاوكي، والذي أغلق بعد أن تم الاعتداء بداخله على امرأة عجوز، وسيدي بولعوينات المجاور لثانوية الهداية الإسلامية قبل أن يتم هدمه، وصلحاء آخرون يحملون إلى جانب أسمائهم ألقابا، تلخص قدراتهم الخارقة في توفير الطمأنينة للناس، فيقال للشيخ أبي محمد صالح " مول الأرض ولبلاد " ولسيدي مبارك بوكدرة " ضامن عبدة " ولسيدي وجو بدوار العطاطرة " صاحب مفاتيح عبدة ".

الحضور المكثف لتيمة الأولياء في الثقافة الشعبية بآسفي

وبحسب الثقافة الشعبية بآسفي، لا يذكر الأولياء والصلحاء، إلا مرفوقين بعبارة "نفعنا الله ببركتهم " فهم في نظرهم أشراف يبسطون بركاتهم حتى بعد وفاتهم وانقطاع عملهم.  إنها عقلية كانت ولازالت، تنزاح وراء الخرافة، إلى درجة بلغ معها الاعتقاد إمكانية شفاء كل الأمراض، فالمرء قد يحلف بالله في إطار الكلام العادي، لكنه لا يستطيع أن يأتي بنفس الفعل في حضرة الولي أو مقام الضريح، خوفا من أن "يفلس ويكمدها فيه الولي"، فيصبح "ضحكة واشفاية".لذلك نجد في الموروث الشعبي بآسفي، الحضور المكثف لتيمة الأولياء والصالحين، كلازمة في العيطة والأغنية الشعبية، حيث تتكرر باستمرار عبارة " ألالة زوروا الصالحين ".

 ويرى الدكتور حسن جلاب أنه " تتعاقب على الإنسان حالات يشعر فيها بالخوف من البشر (لصوص_ سلطة) أو الطبيعة (كوارث_ مرض_ مجاعة) أو يعجز عن تحقيق رغباته (إنجاب_ عثور على مفقود) فيكون اللجوء إلى الولي هو السبيل للتخلص من الخوف ". ويبدو أن حدة الخصاص والمرض والظلم، جعلت جزءا كبيرا من ساكنة آسفي في الماضي وقلة في الحاضر، يخصون الأولياء والصلحاء بعلاج كل الأمراض، حيث حولهم عالم الخرافة الشعبي، إلى مستشفيات مجانية وعيادات طبية، تقدم لزائريها خدمات استشفائية مزعومة، لأمراض استعصى الطب الحديث عن علاجها.

طقوس من عالم الخرافة المسفيوي

 ورغم التطور الذي حصل في البلاد، فإن الكثير من طقوس زيارة الأولياء والصالحين، ما يزال مستمرا إلى اليوم بآسفي، إذ ما زالت العديد من أضرحة آسفي تشعل بها الشموع، وتغطى قبورها بأثواب خضراء، يتبرك بترابها ويمسح به على الرؤوس والصدور والأعناق، كما تعلق قطع القماش والشعر على أغصان الأشجار المحيطة بها، اعتقادا منهم أنها البلسم الشافي. أما النساء فيشكلن الشريحة الأكثر ارتيادا للأضرحة، فحين يلجن الضريح، يمكثن به أياما، وكأنهن في مشفى عمومي، بعد أن يئسن من الاستحمام بسبعة أمواج وجلسات التبخار باللدون، بحثا عن شفاء مزعوم، حيث يتلون أقراحهن، بعد أن أعجزتهن الحيلة في نيل حق مسلوب، أو طرد النحس والتابعة، أو التخلص من مرض، أو التوجس من تقدم العمر، والبحث عن عريس طال انتظاره.

فيما نساء أخريات، يصبون جام غضبهن على أزواج أهملنهن وارتبطن بأخريات، ولم يعد لهن من سبيل سوى اللجوء للولي، حيث ينزعن دثار رؤوسهن فيمسحن به أرضية الضريح، وهن يمطرن اللواتي انتزعن منهن أزواجهن، بوابل من الأدعية والمصائب، آخذين على أنفسهن، إحضار المرفودة إن تحقق المطلوب، دون أن ننسى ثقافة التسنيدة والمزاوكة في الصلحاء للخروج من ضائقة، بتقديم الذبائح والشموع، وتخضيب المكان الذي يوجع بالجسم بدم الذبائح التي تقدم للضريح، وعلاج الشركة حيث يملأ المريض فمه بالزيت ثم يصبه أمام باب الضريح، وعلاج التهاب الشفة واللثة بمضغ أوراق الزيتون الذي ينبث بجوار قبة الضريح، وردع الظالم والسارق والإقتصاص من الكذابين بإصابتهم بالبرص والجنون، فكل من حلف عند الضريح يصاب بالسوء، فترى من أنكر أمرا وطلب منه أن يحلف، فر مذعنا لتأدية الحق الذي كان يريد أن ينكره حسب ما أورده الصبيحي، وعلاج أمراض الصبيان، والإستعانة بتربة الضريح في علاج الأمراض الجلدية والأورام، وتقوية ملكة الحفظ والإستظهار، علاوة على تثبيث الأوتاد داخل الضريح خوفا من هلاك الماشية، وعلاج أمراض العيون والمس من الجن، وأوجاع الفم وداء البرص والجذام.

فضلا عن ما أشاعوه باطلا، من قبيل العاقر التي تبيت بالضريح لترى الرؤيا المبشرة بالغلام، وحل عقدة الشاب المتهيب من أخذ يد المحراث والمنجل، وفسخ الديار والحكم في الجهل والسعار، واعوجاج الفم واليدين،  علاوة عن ما ابتدعوه من طقوس الجاهلية في التاسع من ذي الحجة من كل سنة حين تقوم مجموعات من الساكنة المحيطة بضريح سيدي شاشكال لأداء مناسك مايعرف بآسفي ب « حج المسكين » لغير القادرين على توفير تكاليف المشاعر المقدسة بالحرم المكي، والطواف سبعة أشواط حول الضريح بأقدام حافية، مرددين عبارات التلبية والتكبير، وانتهاء بما استحدثوه من إقامة ليالي الحضرة، واتخاذ بعض المواسم والأعياد الدينية فضاءات للنزهة والاصطياف، مثل سيدي بوزيد وسيدي عبد الجليل وسيدي بوشته وسيدي دنيال وسيدي خليل، وسيدي حسين ولالة فاطنة وغيرها، والتي كانت ولازالت بآسفي، أماكن مفضلة للنساء اللواتي ليس لهن من فرص التحرر من ربقة البيت وسلطة الزوج غير هذه الفضاءات.

ما يشبـــــــــه الختـــــــــــــــــــم

وبالرغم من العدد الهائل للصلحاء والأولياء بآسفي، وإقبال بعض ساكنة آسفي على الأضرحة، وقوة اعتقادهم بفاعلية السادات، نسجل بالمقابل فقرا كبيرا في المادة المصدرية حول الظاهرة،على عادة المغاربة وزهدهم في التدوين، بل حتى الموجود منها على ندرته، متناثر بين دفات المصادر، وحتى ملاك بعض الوثائق بآسفي، يصرون على خنق أنفاس الوثائق وحجبها عن التداول والإنفاق، مما يجعل جزءا مهما من تاريخ آسفي حبيس الرفوف والمكتبات الخاصة. ولم يكن أمامي والحالة هذه، سوى الاستسلام للرواية الشفوية، وكذا الاستعانة ببعض المصادر والمراجع المختلفة، وخاصة كتاب الأستاذ إبراهيم كريدية " صلحاء آسفي وعبدة " الذي أفدت منه كثيرا، في مقاربة موضوع له تأثير كبير في السلوك العام لبعض ساكنة آسفي وفي نمط تفكيرهم وتعبيرهم.

بعض المصادر والمراجع المعتمدة في إعداد المقال :

1-     أرمان أنطونة: جهة عبدة

2-     أحمد بن محمد الصبيحي: باكورة الزبدة من تاريخ آسفي وعبدة

3-     محمد العبدي الكانوني: جواهر الكمال في تراجم الرجال

4-     إبراهيم كريدية: صلحاء آسفي وعبدة وما كان لهم من أدوار اجتماعية

5-     إبراهيم كريدية : زوايا الشرفاء بآسفي وباديتها

6-      محمد جنبوبي: الأولياء بالمغرب،الظاهرة بين التجليات والجذور التاريخية والسوسيوثقافية 






 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
* التعليق



مراكش تحتضن أشغال: الدورات التكوينية لدار المنتخب

السلفيون في مصر يكشرون عن انيابهم بالأقوال والأفعال

تنظيم الملتقى الأول للشباب بآسفي

الإجماع هو العنوان الأبرز للدورة العادية للمجلس الحضري لأسفي

المهندس و خطط التنمية القطاعية بالمغرب

الفن يضعنا في وضعية اللايقين ويجعلنا نعيد النظر في كل القناعات

غرق شابة تعاني من خلل عقلي في بئر بحي المزار

بلاغ صحفي لدورة ماي للمجلس الاقليمي لتيزنيت

المجانين بالمغرب... بين ظلم المجتمع وإكراهات العلاج

فعاليات الورش التعاوني المغربي الفرنسي بمستشفى محمد الخامس باسفي

جديد سقوط الأرجوحة الكهربائية بآسفي

ثانوية صلاح الدين الأيوبي بآسفي تستقبل تلاميذ من فرنسا

يوم دراسي حول مستجدات التنظيم القضائي للمملكة بآسفي

فعاليات دورة تكوينية لرصد الأنتخابات بمدينة اسفي

اجتماع اللجنة الجهوية للسلامة الطرقية بآسفي

اختتام البطولة الجهوية السابعة للساندا والووشو شاولين بآسفي.

إنفراد : حوار خاص مع المهدي النملي لاعب أولمبيك آسفي سابقا

رئيس الجماعة الحضرية لآسفي يوقع عقد تفويت القطعة الأرضية لفائدة الموظفين.

تنظيم بطولة آسفي في السباحة

أضرحة بآسفي حولها عالم الخرافة إلى مستشفيات !