الإثنين 23 أكتوبر 2017


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 09 أبريل 2011 الساعة 21 : 22


مـالـك بـن نـبـي والحاجة إليه من جديد


مـالـك بـن نـبـي

والحاجة إليه من جديد

 

كتب: مولاي محمد إسماعيلي

قصتي مع شروط النهضة

مالك بن نبي ذلك المفكر الجزائري العظيم، الذي تميز بعمق التفكير ومنطقيته وواقعيته، والتي تظهر جلية عند مطالعة إحدى كتبه القيمة، وقد وقعت لي قصة مع كتاب مركزي في كتابات مالك ابن نبي، وأنا في السنة الأولى من الثانوي، جلست في يوم ربيعي من أيام العام 1998 مع ثلة من الأساتذة، وكانت مادة النقاش آنذاك هي الفكر الإسلامي، والبعد الحضاري في التفكير الإنساني، وطُرح سؤال مركزي حول سبل نهضة الأمة الإسلامية؟ وهناك بالضبط سمعت أحد الأساتذة يتحدث عن مالك بن نبي، المفكر الجزائري المتخصص في الهندسة الكهربائية، وأشار في معرض حديثه إلى فكرة القابلية للاستعمار التي قال إن مالك تحدث عنها كثيرا، في البداية لم أفهم ما معنى القابلية للاستعمار، ولم أستوعب الكثير مما يقوله الأساتذة، بعد هذا اللقاء قررت أن أقرأ إحدى كتب الأستاذ مالك بن نبي، فذهبت إلى أحد أساتذتي فزودوني بكتاب مالك بن نبي شروط النهضة، وقد كانت دهشة الأستاذ كبيرة عندما طلبت منه هذا الصنف من الكتب، بعدما كنت أطلب منه فقط تلك الكتب التي تتحدث عن القبر والصراط والجنة والنار وهلم جرا، ووضع الأستاذ مشكورا بين يدي، "شروط النهضة" الذي قرأته للمرة الأولى فلم أفهم فيه شيئا بالمرة، فقررت أن أقرأه للمرة الثانية فكانت نفس النتيجة. مما زكى عندي الاقتناع بأن هذا المفكر يقول شيئا كبيرا، لم يستطع بعد عقلي أن يستوعبه، وأنا لم أتجاوز السابعة عشرة من عمري، ولما كنت ألج إدراك فهم كتاب شروط النهضة، قررت أن أقرأ كتابا آخر لمالك، لعلي أجد مدخلا إلى ما يقوله هذا المفكر العظيم، هكذا حصلت من عند  أصدقائي على كتاب "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" الذي كانت أفكاره أكثر وضوحا من أفكار شروط النهضة، ما جعلني أستوعب أفكار مهمة تكلم عنها في كتابه هذا وغيره من كتبه، ومنذ تلك اللحظة بدأت أتذوق أفكار مالك رحمه الله، وهو ما جعلني أعود إلى كتاب "شروط النهضة" لثالث مرة، حيث بدأت أستوعب أفكاره شيئا فشيئا.

وبعد الإطلاع على هاذين الكتابين قررت أن أقتني جميع كتب مالك بن نبي بعد أن أحسست بقوة أفكاره، وملامسته الثاقبة للعديد من المشاكل التي تعانيها الدول المتخلفة وفي مقدمتها الدول الإسلامية. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما حضرت إحدى محاضرات الأستاذ الكبير داعية العلم والسلم، العبقري السوري "جودت السعيد"، لما كان في زيارة للمغرب. وتحدث في محاضرة عرفت حضورا كبيرا، عن أول كتاب قرأه في حياته، وكيف توجه إلى الأزهر لاستكمال دراسته، كان الكتاب هو: "شروط النهضة" لمالك بن نبي، ورغم أن هذا الأخير لم يكن بالنسبة لي أول كتاب أقرأه، ولكنه كان ذلك الكتاب المؤرق الذي يحوي بين دفتيه أفكاراً كبيرة، يجب أن يكون الإنسان في أعلى درجات تركيزه ليفهم ما يقوله أستاذنا الكبير مالك بن نبي، تلكم هي قصتي مع كتب مالك بن نبي الخالدة، والتي زرعت في نفسي الوعي بضرورة خلق إنسان ذو تفكير حضاري، يستطيع أن يتحرر من سلطة الأشياء والأشخاص، ليدخل إلى عالم الأفكار الذي لا تقف عجلته عن الدوران.

مالك وقانون تغيير ما بالنفوس

يتحدث مالك بن نبي رحمه الله في كتبه عن وسيلة متميزة في التغيير، يتمكن من خلالها الإنسان من الانفتاح على آفاق جديدة يغيب فيها الركود الحضاري والجمود الفكري، الذي يغلف العقول ويخلق القابلية للاستعمار ويؤسس للهزيمة الحضارية التي تشل أركان الدول والجماعات وتبقيها في المربع الأول للتخلف، لذلك آمن مالك بضرورة بداية التغيير من النفوس، وإن أي تغيير لا يمكن أن يحدث في المجتمع دون أن تكون إرادة فردية عند كل إنسان ككيان داخل المجتمع، هذه الفكرة لم يفهم العرب والمسلمون بعد مغزاها رغم أنها مسطرة في القرآن الكريم، يقرؤونها مرات ومرات، وذلك في قوله تعالى: [إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم] (الرعد: من الآية 11)، إن مالك ذهب أكثر من هذا عندما اعتبر الأوربي لم يصطحب معه إلا استعدادات نفسية لكي يحتل الدول المتخلفة، وهو ما تأتى له واستطاع أن يبسط نفوذه في وقت وجيز على أجزاء كبيرة من العالم، كما يعتبر أن الأوربيين قاموا بعملية التغيير المنشودة على المستوى الاجتماعي، يقول في كتابه "وجهة العالم الإسلامي": "فإن الأوربي قد قام منذ قرنين بدور نافع في تاريخ العالم، ومهما كان في موقفه من انفصال عن بقية الإنسانية المحتقرة في نظره والتي لا يرى فيها سوى سلم إلى مجده، فإنه قد أنقذ العالم الإسلامي من فوضى القوى الخفية، التي يغرق فيها كل مجتمع يستبدل الخيال الساذج بالروح، والخيال الساذج ظل مشوه لتصورات المعتوهين، الذين فقدوا ببعدهم عن معنى الواقع عبقرية الأرض"[1].

واعتبر مالك في نفس الكتاب عمل الأوربيين بمثابة (الديناميت) الذي نسف معسكر الصمت والتأمل والأحلام، التي زرعت في النفوس الهوان والاستكانة وعدم إبداء الممانعة من أي شيء يأتي من الآخر، وهو ما ذهب إليه الأستاذ جودت السعيد عندما اعتبر الغرب والأوربيين على وجه خاص، هم الفاهمين الحقيقيين للسنن الكونية وآيات الآفاق والأنفس والسير في الأرض، فلا غرابة إذن أن نراهم في هذه القمة من التقدم.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على وفات المفكر مالك بن نبي هو: إلى متى سنقف نحن المسلمين مكتوفي الأيدي ننتظر العفريت أن يأتي ليعطي لنا أسباب القوة والتفوق؟ وإلى متى سنظل نتجاهل نداءات مالك بن نبي من أجل تغيير ما بالنفوس وتطبيق القانون الإلهي الخالد دون الوقوع في التقليد الأعمى والسير في  سبل مظلمة؟ يقول مالك: "إننا لن نستطيع أن نصنع التاريخ بتقليد خطا الآخرين في سائر الدروب التي طرقوها، بل بأن نفتح دروبا جديدة ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالأفكار الفعالة لتجابه مشكلات التطور في مجتمع يعيد بناء أفكاره"[2].

القابلية للاستعمار والحاجة إلى مالك من جديد

يفرق الأستاذ مالك بن نبي بين الدولة الغازية والدولة المستعمرة، فالدولة المستعمرة تكون فيها قابلية داخلية بأن تُستعمر وذلك بتفشي الفساد على مستويات عدة في الإدارة والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، زد على ذلك التقهقر الذي تعرفه على مستوى عطائها الحضاري المتمثل في إيقاف عملية الإبداع والابتكار، وسيطرة نفسية اليأس والتذمر لدى شعوبها، مما يسهل عملية الاحتلال من طرف أجنبي، وقد تحدث مالك عن النموذج الذي وقع له الغزو وكذا النموذج المستعمر قائلا: "وبهذا نفهم الاستعمار باعتباره (ضرورة تاريخية)، فيجب أن نحدث هنا تفرقة سياسية بين بلد مغزو وبلد مستعمر، ففي الحالة الأولى يوجد تركيب سابق للإنسان والتراب والوقت وهو يستتبع فردا غير قابل للاستعمار، أما في الحالة الأخرى، فإن جميع الظروف الاجتماعية التي تحوط الفرد تدل على قابلية للاستعمار، وفي هذه الحالة يصبح الاحتلال الأجنبي (استعمارا) قدرا محتوما... فروما لم تستعمر اليونان ولكنها غزتها. وانجلترا التي استعمرت 400 مليون من الشعب بالهند كانت لديهم القابلية للاستعمار، لم تستعمر على العكس من ذلك أيرلندا جارتها الخاضعة دون استسلام، وفي مقابل ذلك نجد اليمن، تلك التي لم تفقد استقلالها لحظة، لكنها لم تحصد من الاستقلال أدنى فائدة لأنها كانت قابلة للاستعمار، أعني عاجزة عن القيام بأي جهد اجتماعي"[3] .

هكذا يتضح أن حدث الاستعمار يكون عندما تتوفر له كل الشروط الداخلية التي تخلق إنسانا لا يستطيع أن يفعل شيئا كي يحتفظ باستقلاله وحرية وطنه وأرضه.

إننا في هذه اللحظة بالذات في حاجة إلى مالك من جديد، لأن تلك القابلية مازالت تعانيها بشكل صارخ الدول المتخلفة التي تعتبر نفسها قد حصلت على الاستقلال والكرامة، فالذي يشاهد الآن ما يقع في العراق وفلسطين يجد الصورة تعبر عن نفسها بشكل واضح وجلي، ففي العراق وبعد أن استكمل المجتمع تدهوره ودورته الحضارية عم الفساد الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، إذ لم يجد القادمون لاستغلال ثروات العراق ونفطه، صعوبة كبيرة في السيطرة على هذا البلد الشاسع المساحة، الفسيح الأرجاء، بعد أن هرب صدام ومعاونوه وتركوا الشعب العراقي ليستقبل "الأمريكان" بالورود والابتسامة العريضة، فرحا بالمحور الموهوم، معتقدين أنهم تحرروا من صدام وكأن المشكلة في صدام كشخص، متناسين أن المشكل الأكبر هو تخلفهم وقابليتهم للاستعمار، وما حركة مقاومة الاحتلال في العراق الآن إلا تلك اليقظة التي يتسبب فيها ديناميت الاحتلال نفسه، كما سبق أن أشار مالك إلى ذلك (مثال فلسطين) وفلسطين هو ذلك العضو الذي أصيب بسرطان الاحتلال، إن إزالته راحة للجسم ككل، والجسم الإسلامي لم يقدر على إنتاج مضادات حيوية لحماية العضو المصاب لأنه مستعمر بقسم الديكتاتورية واستغلال الشعوب.

إن القابلية للاستعمار أخذت في الوقت الحاضر صورة جديدة تمثلت في قابلية الشعوب المتخلفة لاستقبال أي شيء من الآخر، من أنماط ثقافية واجتماعية واقتصادية ويغيب العنصر الأساس في المعادلة الذي هو الإنسان، فيوما بعد يوم نسمع عن اتفاقيات للتبادل الحر بين دول غارقة في الديون والمشاكل الداخلية، ودول أوربا التي لديها من الفائض ما تغرق به أسواق العالم، وهو ما سيؤدي إلى قتل الذات عبر إقفال أبواب المصانع المحلية، والشركات الوطنية وترك المجال للغول القادم ليلتهمها.

خاتمة:

إنني أعتقد أن الأمة الإسلامية ودول العالم الثالث، ما تزال في حاجة ماسة إلى أفكار الأستاذ مالك بن نبي، فهو فكر لزمانه، كما فكر لزمن بعده، وهو زمننا الحالي. إن العالم لم يعرف بعد مالك بن نبي، هذا الرجل العملاق بلغ مبلغ الكبار من المفكرين الذين اعترف لهم التاريخ بالدقة في وصف المشكلات، ومعالجة تاريخ المرجعيات والأفكار والدول، بمنهجية عميقة أمثال أرنولد توينبي وابن خلدون.

إنه لزام على كل الذين فهموا واستوعبوا أفكار مالك بن نبي أن يقوموا بالتعريف بمشروعه بلقاءات ومؤتمرات لدراسة الأبعاد الحضارية لفكر هذا الرجل، ومحاولة بعث أفكاره التي مازالت الأمة في حاجة ماسة إليها.

حقا يبقى مالك بن نبي، المنارة التي تنطفئ في الليل الدامس لتخلف مسلمي هذا العصر، فعسى أن يأتي من يعمل على إعادة النور إليها.

 

 


[1] - وجهة العالم الإسلامي، دار الفكر، دمشق، سوريا، ط 5، ص: 47.

[2] - مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، خاتمة الكتاب.

[3] - وجهة العالم الإسلامي،  ط 5، سنة 1986م، دار الفكر دمشق سوريا، ص: 93.






 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
* التعليق



مـالـك بـن نـبـي والحاجة إليه من جديد

الملتقى العلمي الأول حول المرأة والتصوف بمراكش يكرم الدكتورة وداد التباع

لغة العلم ولغة الحياة

المغاربة بين فتوى أبي النعيم و نفي وجود الجحيم

الجسد شرارة حراك...الجسد أيقونة تغيير

"أغورا": نهضة فكرية بالوان شبابية..

مـالـك بـن نـبـي والحاجة إليه من جديد