الإثنين 23 أكتوبر 2017


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 09 أبريل 2011 الساعة 13 : 23


المَرأة والمِرآة والخجل الكاذب


المَرأة والمِرآة والخجل الكاذب

بقلم: ذ. سـعيد موزون

  قبل المحادثة: الرجل ليس ضفدعا

    كان قلمي مُنْتَشِياً بما يخطه ثَمِلاً يترنح من تحت عينيّ، وينتفض متلهّفا ومُهرولا ومحموما ليذيع بين الصفحات كلاما حارّاً لا أحبّ أن تسمعه النساء - حتى وإن كان واقعيا ووصفا دقيقا لنفسيات نسوية غفيرة - لكني عدتُ أدراجي وقلتُ لقلمي: لا.. تَعَوَّدْ أن تجلسَ إلى مَنْ تُكَلّمُكَ جوارحُه لا من يُكلمكَ لسانُه.

     حين نسبح بالخيال طويلا إلى مقال قديم/ جديد للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي صاحبة "فوضى الحواس" بعنوان " أيتها النساء .. لا تبكين الضفادع "[1]  نجد أحلام تجدد كبرياءها المبجل وولاءها لجنسها الأنثوي العظيم، وتُربيه ليَمخُر عباب الرجل/ الضفدع المسكين الأمير العاشق، وتأمر بنات جنسها أن ينتهين من تقبيل الضفادع في مقال آخر بعنوان:" أيتها النساء توقفن عن تقبيل الضفادع".

    قد يدركنا الغثيان والصديد إن لم ندحرج خواطرنا بين طيّات الفكر للرد على الآنسة ونجعلها تستطيع التمييز بين الضفادع والغربان والحملان الوديعة والحمائم، ومَنِ الذي أصبح الآن كما تقول، لكن لا ضير  فالكلمات والأفكار تتظاهر وتتزاحم وتتكاثر على الذهن ساعة الاختيار حتى لا تقوى على الاختيار، فأضع إصبعي في فمي شاردا، وأقول بصوت هادئ وكأنما يخرج من جسمٍ آخر: إن الحديث عن المرأة - هذا الإنسان الجميل اللطيف"العنيد"- بات أوسع من أن يحصره مقال أو سِفْرٌ، ولكن لا حرج من الانزلاق إلى ذات الكلام، حتى وإن كانت ركامات الحيرة تصطفّ في صدري وأنا أفتح صفحة ما في عالم المرأة.

   المرأة وعالم الخجل الكاذب:

   قال إبليس في "مذكرات إبليس" عن تحريضه لفتاة اسمها مريم لملاقاة فتىً يافع، ومغازلة هذا لها وامتناعها المضطرب:" وما كان فتاي ليجهل أن إعراض الخجل والدلال إنما هو عين الإقبال، وأن انثناء الروعة إنما هو هزيمة في هذا المجال"[2]، أقول: طبيعيّ جدا أن تُلجم المرأة لسانها، وتمتنع عن التعليق والكلام حينما يكاشفها الرجل بمطارحة غرامية، لأن هذا الخجل مِلْحٌ ثابت وبنيوي في شخصية المرأة، فهي مشدودة لسماع العبارات الرقيقة التي تمدح أنوثتها وأناقتها وجمالها ورقتها، والكلمات العاطفية التي تخدّر أوصالها بشحنات وجدانية عذبة، بيد أنها على خلاف ذلك في الوقت الذي تأبى فيه التعليق على المصارحة المعروضة عليها، ترفض رفضا باتّاً أن تُنْعَتَ بنعْتٍ طائش يقدح في جمالها، لأنها تريد دائما وإلى الأبد أن تبدو في أذهان الناس جميلة وسيّدةَ الناس، مهما كان حظ وجهها من الجمال أو درجات إشراقه. وتناقضُ المرأة هنا يظهر في سدود الخجل الكاذب التي تخلقها حينما تُعلَمَ أنها محبوبة، وانتفاضتها في الآن نفسه في وجه من يتحسّس جمالها فَيَخْرُجُ منه بوصف - قد يبدو في نظرها جائرا - لا يتناسب وما تعتقده عن نفسها.

      والمرأة مشكلتها أنها تُسرف في إرباء كبرياءها وإرضائه، وتبالغ في كتم الموافقة والرضا بأمور هي في قرارة نفسها تريدها بجموح أكثر من جموح الأطفال وتمتنع عن ذكرها، أو إبداء رأيها فيها.وقد تستحيي من أمر ما فتكتمه - ربما لطبيعة أنوثتها التي تفرض ذلك أو لقساوة التقاليد والأعراف المحدقة بها في محيطها - وهي في قرارة نفسها تحمل له حكما معينا، أو نظرة ما، لكنها إذا صادفها موقف مخجل خرجتْ من نفسها دون إبطاء، وخرجتْ عن نطاق صمتها واستحياءها إلى إفصاح ومصارحة ثائرة.فإذن هي تؤمن بالشيء وتأتي نقيضه، وتفعل شيئا وتحمل في نفسها شيئا آخر، وهي في أغلب أحوالها مطاطية الأفكار وهلامية القرار وزئبقية الحكم على الأشياء، ويكاد معشر النساء يتفق في : الموافقة الباطنية والتملص الظاهري في كثير من نظراتهن للأشياء، وحكمهن عليها.

     وليت شعري أفهم لماذا مذهب قلب المرأة يكون غالبا غير مذهب لسان حالها ؟؟ ولِمَ تظن أن الرجال كائنات تائهة نزلت من المريخ لا تكاد تستبين عشق المرأة للزئبقية والهلاميات والأوهام..؟؟

 المرأة والمِرآة :

جاء في قصة " مذكرات إبليس" على لسان إبليس:" إني لأعلم أنني أفتن المرأة بكل صورتها فإنها خُلقت مفتونة بها، وأقودها إلى كل مكان إلا مكان المرايا فإنها تنقاد إليه طيّعة، وما أحسب حواء حين أبصرت صورة محياها في ماء الغدير إلا قد حسبت أن الله أجرى لها الماء لتتراءى فيه، لا ليرتوي منه العطشان ويحيا به موات الأرض، وكذلك نشأ بناتها على هذا الرأي والحمد لله."[3] أقول إن الحُسن ملازم للمرأة ملازمة الأريج العذب للوردة، ولما كان ذلك كذلك لا غرو أن تحشد لوجهها كل المساحيق والمراهم التي تجعله يتألق في مَلاحة وديعة، ويرتقي من جميل إلى أجمل، ولا يُعاب على المرأة ذلك، ولا كذا ملازمة المرآة لحقيبتها، لأنها بمثابة المطر للأرض، ولكن المطر إذا زاد في تدفقه على الأرض أفسد جمالها، فيستحيل وجه المرأة – قياسا على هذا – أرضا مبعثرة الجمال قد أفسدها طوفان المساحيق والمراهم .. فأصبح همّ بنات حواء هو أن يظلن ردحا من الزمن أمام المرآة ليتحققن أن عيون الرجال لن تقع على شيء في وجوههن لا يرضيهم، ولم يعدن تلك الروح التي لا طعم للحياة بدونها، فهل يا ترى أخطأنا السبيل إلى من حسبناه لبنة مقدسة في رباط الحياة المقدس ؟ يقول محمد الغزالي في ذا الصدد حائرا :" من النساء من تجمع في غرفتها سبعين فستانا، وأُخبرتُ أن بعضهن في أثناء الأحفال تخرج لتبدل ثوبا بدل ثوب، حتى تعرض جسدها في ألوان شتى، هلا عرضت على الناس ثقافتها وفضائلها بدل هذا الإسفاف؟ .. وإنها لطفولة عقلية سخيفة أن يرى امرؤ ما مكانته في حذاء لامع أو رداء مُطرّز بالحرير أو الذهب !"[4]

مسألة استضعاف المرأة من طرف الرجل:

      إن الحديث عن المرأة ظل يستغرق كل آلامها والضوضاء الاجتماعية والنفسية التي تجتاح أحلامها، وتبسط ظلها على طموحها ونفسيتها وشخصيتها داخل عالم الأرقام والأسعار والبترول والعولمة .. وداخل مجتمعات بعيدة عن نفسها وعن المرأة، ماضية في أتون مستعر ودوامات لا تنثني ولا ترعوي عن ضراوتها وسطوها.

   ولما يتبدى موضوع المرأة في أُفُق الفكر، وحين تتتبع الواقع بعيون مسهّدة في لين وهوادة، ينتصب شعرك كشعر قطٍّ ينوي الشجار وأنت تسمع - على الإطلاق - أن "الرجل يستضعف المرأة ويسعى لاستعبادها ليثبت شخصيته وكبرياءه عليها" !

   لقد يكون مفيدا قبل الإبحار في ذات الموضوع أن أقول إن هذا الحكم يصدق على شراذم دون أخرى من الرجال، هي التي تستعجل الرجولة قبل الأوان، وتفهمها على غير وجهها الحقيقي وعلى حساب المرأة، وحتى وإن كان الحكم بالغلبة كما يقال، إلا أنه ينحصر في قوافل شاردة من الرجال أخطأت الطريق إلى نفسية المرأة وشخصيتها، فأَودتْ بها إلى عالم الضحالة والمهانة والدناءة. لأن البيئات التي نعيش فيها قد تواضعت على خنق المرأة في عنق زجاجة الواقع، ولم تجعلها تتقدم إلى الأمام، لتجعل للناس منفذا إلى الانعتاق والتنفس، فَكُبْكِبَت في فوضى ساحقة جعلت العقل يتقهقر عقب تلك الفوضى، وأفسحت الأفنية للعضلات والعصا تتقدم وتقول كلمتها، فكان أن بقيت المرأة في مقام الضعفاء لا لشيء إلا لأنها أنثى/ ضعيفة البنية والتكوين، ولأن مفهوم القوامة يفهمه بعض الرجال فهما مغلوطا، ويعتبرونه جواز سفر للسيادة والفحولة والاستئساد، هذا من جانب، ومن جانب آخر فالمرأة نفسها - لاسيما المثقفة – تُخندقُ مفهوم الرجولة وتُقَوْقِعُهُ في الفحولة الجنسية فقط، وتحقيقها الاكتفاء الجنسي، وفي قدرته على التهامها جنسيا، ولا تحلق بعيدا لِتُثَبِّتَ نظرها في الجانب الإنساني والروحي ولمَ لا الصوفي في الرجل ..

     إذن لا نجعل كل الرجال يسقطون كالفراش في هذا الحكم أرسالا وزرافات، وبعضهم ليسوا على مذهب بعض، فنحن الرجال - كما النساء -منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قِددا، وكلٌّ حسب ثقافته ورؤاه ونظرته الكونية والخاصة.

    المرأة في فكر الثَّرَاثِرَة:

    أُدركُ إدراك الغريق الذي تيقّن من نهايته أن الإنسان العاقل يودع إنسانيته حالما يسمع رجلا شغله الشاغل هو التفنن - ما تعاقب الليل والنهار - في وصف ما أوتيت المرأة من تضاريس في جسمها، قد توجد شرذمة قليلون من الرجال يحترمون الإنسان المفكر والعاطفي داخل المرأة، لكن الثّراثِرة منهم لا تريم عيونهم وثقافتهم عن تفاصيل هذه التضاريس، ولا تستطيع أن تحلق بعيدا عن رحاب أرحب لا تحصر المرأة فقط في خندق القراءات الجنسية.

     يُخيّل إليّ أن المرأة قد استوفتْ قسطها  الوافر من أقلام الشعراء والأدباء والكتاب وعلماء النفس .. وربما لم تعد في حاجة إلى من يُطاردها أو يزعجها بخط مجلدات أو مذكرات أو خواطر عن جسمها أو رشاقتها، وإنما هي في حاجة إلى عقل يعقل أحلامها الموؤودة، وعواطفها المخدوشة، وحيرتها المبعثرة حول ما يجري حولها. 

 


[1]  - مجلة "زهرة الخليج"، عدد 1932، السبت 26/11/2005.

[2]   - مراجعات في الآداب والفنون، عباس محمود العقاد، دار الكتاب العربي بيروت ، لبنان، الطبعة الأولى، 1966، ص:250.

[3]  - مراجعات في الآداب والفنون، عباس محمود العقاد، نفسه، ص: 239.

[4]  - قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 1991، ص:194.






 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
* التعليق



المَرأة والمِرآة والخجل الكاذب

البايس تفجرها: دانييل كان جاسوسا لاسبانيا وهده قصة مغتصب الاطفال

المَرأة والمِرآة والخجل الكاذب