الأحد 17 ديسمبر 2017


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 13 فبراير 2011 الساعة 04 : 22


الإنسان لغز غامض!


الإنسان لغز غامض!

     بقلم: خالد أوراز
khaourraz@gmail.com
 
الحياة في جوانبها البيولوجية تعد معجزة وسرا، والإنسان في جوانبه البشرية سر لا يسبر غوره، لا لنفسه ولا لرفيقه الإنسان. إن في الإنسان الذي تعرفه إنسان لا تعرفه. فرغم ما حاولنا معرفة أنفسنا فإننا لن نحسن معرفتها معرفة حقة، ولن نعرف رفيقنا الإنسان إذا حاولنا ذلك. بكل بساطة لأننا لسنا أشياء، ورفيقنا الإنسان ليس شيئا. كلما وصلنا إلى عمق وجودنا، أو وجود شخص آخر. مع ذلك فلا حيلة لنا إزاء رغبتنا في التغلغل داخل سر روح الجسد إلى النواة الأعمق التي تجسد هذا " الآخر".
الشوق إلى معرفة أنفسنا ومعرفة رفيقنا الإنسان يعبر عنها سقراط بقوله: " يا أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك" إنه المنبع الأساسي لعلم النفس "اعرف نفسك"، ولكن بقدر كون هذه الرغبة تمثل سعيا لمعرفة كل شيء عن الإنسان، وسره الأعمق، إلا أنه لا يمكن لها أن تتحقق بالمعرفة العادية، أي فقط من خلال الفكر. وحتى لو عرفنا أشياء عن أنفسنا ولو ألف مرة، فلن نصل إلى القاع أي أننا لن نعرف كل شيء عن أنفسنا. سنظل لغزا غامضا لأنفسنا، كما سيضل رفيقنا الإنسان لغزا غامضا لنا. والطريق الوحيد للمعرفة الكاملة للإنسان يكمن في حب هذا الأخير، فإذا رغبت في معرفة نفسك فأحبها، وإذا أردت أن تعرف الله فأحبه، وفعل الحب هذا يتجاوز الفكر ويتجاوز الكلمات. والمعرفة الفكرية هي معرفة نفسية، وهي شرط ضروري في فعل الحب. علي أن أتعرف على نفسي وعلى الشخص الآخر بشكل موضوعي من أجل أن أكون قادرا على رؤية الواقع كما هو؛ أي على صورته الحقيقية، وللتغلب على الأوهام أو على الصورة غير العقلانية المشوشة المتكونة عندنا. فإذا عرفت نفسي بشكل موضوعي، يمكنني حينئذ أن أعرف نفسي في جوهرها الخالص.
إن الإنسان يحتاج قبل كل شيء إلى التوازن العقلي، وقوة الأعصاب والشجاعة البدنية وقوة الاحتمال. فلماذا إذن نجد علماء الصحة يتعاملون مع بني الإنسان وكأنهم معرضون فقط للأمراض المعدية؟ في حين أنهم معرضون أيضا لضعف العقل ولهجمات واضطرابات عصبية وعقلية.
 يجب أن يكون الإنسان مقياسا لكل شيء. ولكن الواقع هو عكس ذلك، فالإنسان غريب في العالم الذي ابتدعه.. إنه يستطيع أن ينظم دنياه بنفسه لأنه لا يملك معرفة علمية بطبيعته، إن البيئة التي ولدتها عقولنا واختراعاتنا تعد غير صالحة لهيئتنا؛ 
إننا قوم تعساء لأننا ننحط أخلاقيا وعلميا.
فلا مفر إذن من فحص الإنسان فحصا شاملا، لأننا – رغم اتساع أفق معرفتنا– لا نفعل ما هو أكثر من مجرد النظر إلى ناحية واحدة من نواحي الإنسان في حقبة معينة من تاريخه وفي أحوال معينة من حياته. يجب أن نفهمه في جميع وجوه نشاطه. ما كان واضحا منها عادة، أو ما قد يبقى في حيز الفكر. ومثل هذه المعلومات يمكن الحصول عليها فقط بالتأمل الدقيق في حاضر وماضي جميع اكتشافات قوانا العضوية والعقلية.
 إن الإنسان لغز غامض... وخارج مملكة عقله لا يوجد شيء محدد بوضوح، ولكن من المحقق أن اتسام شيء بالغموض ليس معناه عدم وجوده، فحينما يبحر الإنسان في ضباب كثيف تظل الصخور قائمة في مكانها، ولا تلبث أشكالها أن تبرز من خلال الضباب الكثيف.
يجب أن يحول الإنسان اهتمامه إلى نفسه وإلى السبب في عجزه الخلقي والعقلي، إذ ما جدوى زيادة الراحة والفخامة وكل ما يؤدي إلى تعقيد حضارتنا إذا كان ضعفنا يمنعنا من الاستعانة بما يعود علينا بالنفع.
حقا إنه لمما لا يستحق أي عناء أن نمضي في تجميل حياة تعود علينا بالإحباط. 
يكفي أن نعاني من أجل أن نفهم من نحن، وأن نفهم الإنسان في صورته الحقيقية. 
وإلا ستلجأ عقولنا إلى خيانتنا في يوم من الأيام، وننسى قيمتنا وقيمة إنسانيتنا. فليس هناك شيء أقسى على الإنسان من خيانة عقله.. وخيانة العقل تؤدي إلى كل الخيانات الأخرى وتجعلها قاسما مشتركا في الممارسة بين عناصر المجتمع الذي تتوغل فيه هذه الخيانات.
لذا نجد أن العقل هو الحجة والدليل على هذا الإنسان، وهو المرشد إلى النور. إنه من يعجز اللغة وسرعة الضوء، فلا قيمة للحواس بدونه ولا قيمة للوجود أيضا.. فهو مركز اتخاذ القرارات. إنه مصدر سعادة الإنسان، إنه قوة لا تعترف بأي ضعف ولا تستسلم لأي ركود.
فإذا رغبنا في فهم هذا الإنسان وحل هذا اللغز الغامض فإننا لن نلجأ إلى تقسيمه إلى أجزاء لأننا سنضع حدا لحياته. فرغم أننا عاجزون عن فهمه فهما مباشرا في بساطته فإننا لن نستطيع تقسيمه لأنه غير قابل لذلك. هنا نكون في حاجة ماسة إلى خيال كبير وأصالة في الحكم والعقل، لأن معلوماتنا عن الإنسان في الوقت الحاضر لا يمكن أن تتقدم إلا إذا اجتذبنا أصحاب العقول القوية لدراسة هذا الموضوع وفك هذا اللغز، لأن الموقف يدعو إلى كفايات عقلية ناضجة.
إذ ذاك سيكون علم الإنسان مهمة المستقبل، فيجب علينا أن نقتنع الآن بالبداية سواء من الناحية التحليلية أو من الناحية التركيبية المتعلقة بالصفات الخاصة بالإنسان. وسيبدو لنا هذا الأخير بسيطا في اللحظات الأولى، لأننا نتواجد في حضارة لا تلاءمنا. إنها حضارة أنشئت دون أية معرفة بطبيعتها الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، من أوهام الناس، من رغباتهم ونظرياتهم. ورغم أنها أنشئت بمجهوداتنا فإنها غير صالحة لنا.

إننا نساير المجتمع بعقول خاوية وأفكار ميتة كما يقول المفكر مالك بن بني رحمه الله، إننا إذن نعيش كي لا نعيش، ولا نأبه بحل هذا اللغز الغامض الذي هو نحن؛ هذا الإنسان.






 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
* التعليق



في رثاء مآثرنا التاريخية

رحلة ممتعة في أحضان الجنوب الشرقي للمغرب

صورة الإسلام في الإعلام الغربي

دولة الإمارات..التي أبهرتني

جغرافية الفكر

نعيم الرداءة

متى نبني مجتمع المعرفة؟

د.مصطفى تاج الدين لمغرب الغد: نحتاج إلى إعادة تفسير القرآن الكريم

مؤرخ المملكة ضيفا على إذاعة طنجة

المشترَك الإنساني

الإنسان لغز غامض!