الأربعاء 18 أكتوبر 2017


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 17 فبراير 2011 الساعة 39 : 10


قيم تندثر وأخرى تنتظر


قيم تندثر وأخرى تنتظر

بقلم: مولاي محمد اسماعيلي

الله على أيام زمان، تلك الأيام الخوالي التي كانت تملؤها المحبة والتضامن والأخوة، تلك الأيام التي عاش الناس فيها وهم يتنفسون قيمة عليا من القيم التي ذهبت مع الريح، إنها قيمة التعاون والتضامن، كان المغاربة يرددون دائما المثل المغربي الحكيم "عار الجار على جارو"، في إشارة إلى أن الجار يجب أن يكون عين جاره التي تنام، ومعيله إذا احتاج إلى معيل، ولا تحضر فاكهة جديدة، إلا شارك فيها الجار جاره، وكأنه يحس بأن جاره أمانة في عنقة يجب أن يهتم بها على طول الوقت، أين هي هذه القيمة الآن؟ إنها ذهبت بلا رجعة. الآن لا تكاد تجد الإنسان يحدثك عن جاره إلا بالسوء، وكم من جار لا يعرف جاره الذي يسكن إلى جانبه، وكم من سكان عمارة لا يعرف بعضهم بعضا، وحتى إذا تم التعارف يوصي كل واحد منهم أبناءه وأقاربه بأن يتوخوا الحذر من كل سكان العمارة لأن الزمن غير الزمن، والأمان لم يعد متوفرا في هذه الدنيا، فيصبح الجيران كالغرباء قدموا من بلدان مختلفة من أجل تمضية عطلة، وسيعود كل واحد منهم إلى حال سبيله، الكل خائف من الكل، فيما قيمة الإحسان إلى الجار وزيارته وصداقته تضمحل يوما بعد يوم حتى تنتهي إلى أرشيف التاريخ لا يتذكرها أحد، وكم هي قوية تلك الآهات التي تخرج من أفواه الأشخاص الكبار في السن، وكأنها عين الإعصار التي تضرب فلا تبقي ولا تذر، وقد يحدث أن تجالس أحدهم، فيبادر بالحديث حول أيام الزمن الجميل، حيث يجتمع الناس للفرح كما للأحزان، الكل مستعد للتعاون وبذل الجهد من أجل إسعاد الآخرين، هذه القيمة التي لم يعد يتحدث عنها أحد، الكل مشغول في دوامة عمل لا تنتهي، وعندما تقول له لما لا تسترخي وتضحك قليلا، يرد مسرعا بأن لا وقت لديه للضحك والاسترخاء، فدوامة الزمن سيطرت على كل شيء، وأضحت لا تترك للانتباه حتى لوقت للأكل والشرب والجلوس مع الأبناء لبعض اللحظات القصيرة، إنها فعلا حالة مستفزة للإنسان لا يخرج فيها غالبا إلا إلى قبره وملاذه الأخير.

في الماضي كان الجميع يتذوقون الموسيقى، ويستمتعون بما يسمعون من أغاني الزمن الجميل، فتسمعهم يرددون الله الله، وحالة من الانتشاء الكاسح تغمرهم، كانت جلسات الاستماع إلى الموسيقى حدثا يجتمع فيه الأهل والأصدقاء يتبادلون فيه أطراف الحديث، ويتسامرون ويضحكون، وهو أيضا موعد لمعرفة الغائبين والسؤال عنهم ومعرفة سبب غيابهم، هل بسبب مرض أو شيء قاهر فيبقى الجميع على تواصل دائم رغم عدم وجود أي وسيلة تكنولوجية يمكن أن تكون سبب اجتماعهم أو لقائهم ببعض، وحده العشق والشوق والمحبة يجعلون الأنفاس تلتقي تعانق بعضها وتحس بالأمان والسلام، أما صلة الرحم، فقد فقدت كثيرا من بريقها، وللأسف الشديد مع التطور الهائل الذي تشهده وسائل الاتصال والتواصل، إلا أن هذه القيمة العظيمة أصبحت تدخل في نفق مظلم، يُبرر الناس عدم لقائهم بأهلهم وذويهم، بأن الأمور أصبحت ميسرة، فقد أصبح من الممكن أن تتحدث لساعات طوال مع والدتك أو والدك أو أفراد العائلة عبر الهاتف أو الانترنت، دون حاجة إلى السفر إليهم ولقائهم وجها لوجه، وهي فكرة خاطئة تماما، لأن حرارة اللقاء لا يوازيها حديث في هاتف أو تواصل عبر الانترنت، كلها وسائل تقنية لها أهميتها في تقليل ولع الفراق وألمه، لكنها لا تلغي مطلقا ضرورة اللقاء والعناق بين الأحباب، تمت أشخاص لم يزوروا أحد أقاربهم لسنوات ويكتفون بالسؤال عنهم بالهاتف، وهذا أمر سيؤدي في الأخير إلى اندثار العلاقات الأسرية، وغياب الحنان والمؤانسة التي تكون بين أفراد الأسرة الواحدة، وقد أصبح من اليسير الآن أن تنسى تذكر أخت لك أو أخ أو أحد أفراد العائلة لأسابيع إن لم نقل لأشهر.

إن صلة الرحم قيمة سامية وعظيمة لا يجب التفريط فيها بأي حال من الأحوال، لأن غيابها في المجتمع يعني غياب الكثير من الأمور الإيجابية التي تحفظ تلاؤم الأسر واجتماعها، فيوم أن تنتهي هذه القيمة ستنتهي معها كل الروابط الأسرية، وإذا غابت الروابط الأسرية انتهت الأسرة بكاملها، حينها لا يمكن الحديث عن مجتمع، لأن أصل المجتمع هو الأسرة المتكاملة الواحدة المتحدة، وإذا انسلخ المجتمع عن نفسه، ستكون لحظة فاصلة تنتهي فيها مجتمعات في أرحام مجتمعات أخرى لا هوية لها.

إن الحسرة على الماضي الجميل لا يعني مطلقا الدعوة إلى الرجوع إليه، والتمسك بكل تفاصيله، ولكن هي دعوة من أجل التمسك بالقيم السامية التي تزرع في النفوس الإحساس بالسعادة والطمأنينة والتعاون، قيم عليا لو مزجت بكل التقدم الذي حصل للإنسان في العقود الأخيرة، لأنشأت مجتمعات أقرب إلى كمال روحي ومادي غير مسبوق، إن الإنسان لن يستطيع العيش بدون القيم التي ذكرناها، ولن يستطيع أيضا أن يتخلى عن كل المكتسبات الحضارية المعاصرة التي حصل عليها، لكن جمعا جميلا بين هذه وتلك، سيجعل الإنسانية تستمر في أداء رسالتها في الاستخلاف في الأرض، وتضمن لنفسها حق الأفضلية الممنوح لها دون سواها من مخلوقات الله الأخرى، وتحافظ على التوازن النفسي والمادي، حتى يبقى العيش في أمان وسلام ومحبة وسعادة متوفرا لكل الناس على وجه هذه البسيطة.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- أين هداك الزمان

صلاح شكور

صدقت يا أخي أين هي يا ترى تلك الأيام
بدون مبادئ لايمكن لأي بلد كيف ما كان نوعه، أن يمشي إلى الأمام، علينا أن نلقن أطفالنا هذه ألبادئ،
وعلي أيضًا أن نلقنهم ألأخلاق الحسنة ، وحب الخير للناس، وكذا حب الوطن ، لأن حب ألأوطن من ألإمان

في 17 فبراير 2011 الساعة 44 : 12

أبلغ عن تعليق غير لائق


 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
* التعليق



في رثاء مآثرنا التاريخية

مدينة تنغير تنتظر زيارة ملكية

قيم تندثر وأخرى تنتظر

ساكنة دوار زمران بمراكش في عزلة

كيف تولد الدولة الشمولية؟

أسماء أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي

أندية كرة اليد تحرم بقوة القانون من الإستقبال بميدانها بمراكش

توقعات بانتعاش السياحة المغربية

«خطاب الملك» .. يكتسح جوائز الاوسكار

دعوة: الأستاذ أحمد متفكر ذاكرة متنقلة

قيم تندثر وأخرى تنتظر